ابن عربي
461
الفتوحات المكية
الحق من كونه مؤمنا لا يمكن أن يخلص مع هذا الاسم شقاوة ما فيها رحمة هذا مما لا يتصور فإن الرحمة بالعالم أصل ذاتي بالوجود والشقاء أمر عارض لأن سببه عارض وهو مخالفة التكليف والتكليف عارض ولا بد من رفعه فترتفع العوارض لرفعه ولو بعد حين وفيه علم تغيير الحكم المشروع بتغيير الأحوال في المكلف وفيه علم الموازين المعنوية التي توزن بها المعاني والمحسوسات وموازين الآخرة هل هي إقامة العدل بالحكم في العالم بحيث أن يعلم العالم كله أنه ما طرأ عليه جور في الحكم عليه بما حكم الله به عليه أو هل هي محسوسة كالموازين المحسوسة في الدنيا لوزن الأشياء وإذا كانت حاسة البصر تدرك الموازين في الآخرة المحسوسة عندها هل هي محسوسة كما يدركها الحس أو ممثلة كتمثل الأعمال فإن الأعمال أعراض وهي في الآخرة أشخاص فتعلم أنها ممثلة لأن الحقائق لا تنقلب وحقيقة من لا يقوم بنفسه مغايرة حقيقة من يقوم بنفسه فلا بد أن تكون ممثلة كما ورد في الخبر النبوي أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح ولم يقل يؤتى به كبشا أملح والموت عرض بل نسبة فلا بد أن تكون العبارة عنه كما وردت في الخبر النبوي وفيه علم ما هي الأولية في اليوم فإنه دائرة ولا بد للدائرة من ابتداء وانتهاء إلى ذلك الابتداء فإن اليوم دورة واحدة للفلك الأطلس وقد انفصل بالليل والنهار بطلوع الشمس وغروبها وأول اليوم الذي تعين بالأرض عند حركة الفلك كان بالحمل ثم ظهر أول اليوم بطلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن لها وجود إلا في برج الحمل فإنه بيت شرفها فوجدت طالعة في برج الحمل فظهر أول اليوم والصبح آخر اليوم وما بينهما ليل ونهار وهما معلومان بالطلوع والغروب ولذلك ما أخذ الله من أخذه من الأمم إلا في آخر اليوم وذلك لاستيفاء الحركة كما يتربص بالعنين انقضاء فصول السنة وحينئذ يفرق بينه وبين المرأة أعني زوجته لأن أسباب التأثير الإلهي المعتاد في الطبيعة قد مرت على العنين وما أثرت فيه فدل إن العنة فيه لا تزول فعدمت فائدة النكاح من لذة وتناسل ففرق بينهما إذ كان النكاح للالتذاذ والتناسل معا أو في حق طائفة أخرى لكذا وفي أخرى لكذا وفي حق أخرى للمجموع وكذلك إذا انتهت دورة اليوم وقع الأخذ الإلهي في آخره وفيه علم تجسد الأرواح في صور الأجسام الطبيعية هل عين ذلك الروح هو عين الصورة التي ظهر فيها أو هل ذلك في عين الرائي كما ذكرناه في زرقه السماء أو هل الروح لتلك الصورة كالروح للجسم أعني النفس الناطقة وتلك الصورة صورة حقيقة لها وجود عيني لا في عين الناظر كسائر الصور الحقيقية وهذه مسألة أغفلها كثير من الناس بل الناس كلهم فإنهم فنعوا بما ظهر لهم من صور الأرواح المجسدة فلو تر وحنوا في نفوسهم وحكموا بالصور على أجسامهم وتبدلت أشكالهم وصورهم في عين من يراهم علموا عند ذلك تجسد الأرواح لما ذا يرجع فإنه علم ذوق لا علم نظر فكري وقد بينا أن كل صورة تجسدت في العالم فلا بد لها من روح مدبرة من الروح الكل المنفوخ منه في الصور ومن علم إن الصورة المتجسدة في الأرواح إذا قتلت إن كانت حيوانا أو قطعت إن كانت نباتا أنها تنتقل إلى البرزخ ولا بد كما تنتقل نحن بالموت وإنها إن أدركت بعد ذلك فإنما تدرك كما يدرك كل ميت من الحيوان إنسان وغير إنسان فمن هنا أيضا إذا وقفت على علم هذا علمت صور الأرواح المتجسدة لما ذا ترجع وفيه علم ما للضيف الوارد من الحق على من ورد عليه والأنفاس واردات الحق على العبد ولها حق وهي راجعة إلى من وردت منه فلينظر بما ذا يستقبلها إذا وردت وما يلزمه من الأدب معها في الأخذ لما ترد به وما يخلع عليها إذا انقلبت عنه راجعة إلى الحق وفيه علم العادات وخرقها ودفع الشبه التي يراها الطبيعيون أنها تفعل لذاتها وما هي الطبيعة في الحقيقة ولمن ترجع الآثار الظاهرة في الكون وفيه علم شرف الحيوان على الإنسان الحيواني وفيه علم الجبر في الاختيار وفيه علم إدخال الحق نفسه مع الأكوان في السلوك والأحوال هل دخل معهم للحفظ أو دخل معهم لكونه العامل لما هم فيه أو دخل معهم صحبة وعناية بهم أو تقتضي ذاته ذلك الدخول معهم وفيه علم العبيد والأحرار وما الأعمال التي تطلب الأجور وممن تطلب فإن العامل ما يعمل إلا لنفسه فبما ذا يستحق الأجرة من غيره وفيه علم أسباب التجارة التي هي مخصوصة بالحياة وفيه علم خواص الأسماء الإلهية من حيث تركيب حروف ذلك الاسم حتى إذا ترجم بلسان آخر لم يكن له تلك الخاصية فإنه لا فرق بين مزاج حروف الكلمة إذا تركبت ومزاج أجسام المعدن أو النبات أو جسم الحيوان فإن جسم الحيوان هو جسم نباتي أضيف إليه حس فقيل حيوان